تُعد جائزة نوبل، بلا شك، الرمز الأسمى للتميز البشري، والمعيار الذهبي الذي تُقاس به أعظم الإنجازات في العلوم والأدب والسلام. لكن خلف الواجهة المهيبة لهذه الجائزة المرموقة، يختبئ تاريخ مليء بالمفارقات، والأساطير، والصراعات التي لا يعرفها الكثيرون.
استعد لاكتشاف الجانب الخفي لواحدة من أهم المؤسسات في العالم.
1. أسطورة "تاجر الموت" قد لا تكون حقيقية بالكامل
السردية الأكثر شيوعًا حول ولادة الجائزة هي قصة درامية بامتياز. تقول القصة إنه في عام 1888، توفي لودفيج نوبل (شقيق ألفريد)، ونشرت صحيفة فرنسية بطريق الخطأ نعيًا لألفريد نفسه بعنوان وحشي: "Le marchand de la mort est mort" (تاجر الموت قد مات). ويُقال إن نوبل قرر تغيير وصيته بعد قراءته لهذا النعي لتصحيح إرثه.
ولكن، يشكك المؤرخون المعاصرون في دقة هذه الرواية، مشيرين إلى أن عبارة "تاجر الموت" ربما كانت مبالغة أضيفت لاحقاً. المؤكد هو أن الصحافة كانت تهاجمه، لكن الدراما المحيطة بالقصة قد تكون تضخمت عبر التاريخ، مما يثبت كيف يمكن للقصص التاريخية أن تتحول إلى أساطير راسخة.
2. مخترع الديناميت آمن بأن اختراعاته ستقضي على الحروب
من أغرب المفارقات أن ألفريد نوبل لم يرَ نفسه صانع حرب، بل "تاجر سلام". كان يؤمن بنظرية "الردع المتبادل"، معتقدًا أن الأسلحة المدمرة ستجعل الحرب مستحيلة خوفاً من الإفناء الشامل. وفي رسالة لصديقته الناشطة "بيرثا فون سوتنر"، كتب بوضوح:
"أتمنى لو أستطيع إنتاج مادة أو آلة ذات قدرة تدميرية هائلة تجعل الحروب مستحيلة تماماً... عندما تدرك الجيوش أنها يمكن أن تُفنى في لحظة واحدة، فإنها ستلتزم بالسلام الذهبي."
3. الجائزة كادت أن تُلغى قبل أن تبدأ
عندما فُتحت وصية نوبل عام 1896، اندلعت عاصفة قانونية وسياسية. طعن أقاربه في الوصية، وانتقدها ملك السويد "أوسكار الثاني" واصفاً إياها بـ"غير الوطنية" لخروج الأموال من السويد.
لولا شجاعة المهندس الشاب "راجнар سولمان" (منفذ الوصية)، لما وُجدت الجائزة اليوم. قام سولمان بتهريب أصول نوبل من بنوك باريس إلى السويد سراً عبر القطارات والعربات لتجنب الضرائب الفرنسية ومصادرة الأموال، في عملية تشبه أفلام الجاسوسية، لينقذ بذلك إرث نوبل.
4. جائزة نوبل في الاقتصاد ليست من بنات أفكار نوبل
يعتقد الكثيرون أن جائزة الاقتصاد أصلية، لكنها لم تكن ضمن الفئات الخمس التي حددها ألفريد. تأسست الجائزة عام 1968 من قبل البنك المركزي السويدي.
اسمها الرسمي يكشف الحقيقة: "جائزة سفيريج ريكسبانك في العلوم الاقتصادية في ذكرى ألفريد نوبل". وقد اعتبر ورثة نوبل هذا الأمر "انتحالاً" وتلميعاً لصورة البنك باستخدام اسم العائلة، مما أثار جدلاً طويلاً حول شرعيتها المعنوية.
5. "الخطيئة الكبرى" للجائزة هي تجاهل غاندي
تعترف لجنة نوبل بأن أكبر إخفاقاتها هو عدم منح الجائزة للمهاتما غاندي. رُشح غاندي 5 مرات، وتم تجاهله بحجج واهية في البداية.
في عام 1948، كان الاتجاه قوياً لمنحه الجائزة، لكنه اغتيل قبل يومين من إغلاق الترشيحات. ولأن القوانين كانت تمنع منح الجائزة لمتوفٍ (ولم يترك غاندي ورثة للمال)، قررت اللجنة حجب الجائزة في ذلك العام، معلنة أنه "لا يوجد مرشح حي مناسب"، في تكريم صامت لزعيم السلام.
الخاتمة
قصة جائزة نوبل هي ملحمة إنسانية مليئة بالتناقضات، تماماً كالبشر الذين تكرمهم. ويبقى السؤال: ماذا كان سيظن ألفريد نوبل لو رأى كيف تطور إرثه ليصبح أعظم رمز للتقدم البشري؟